غزّة: اختبار الضمير في زمن العدم
خاطرة صباحية قصيرة
تعبت. لا لأن الألم فاق الاحتمال، بل لأن المعنى لم يعد ثابتًا. أفكر في غزّة،
فأشعر أن الوجود نفسه يتلعثم، كأن الحياة تتساءل
هل ما زلتُ أستحق أن أُفهم؟
غزّة ليست صرخة، بل سؤالًا معلقًا في فراغٍ كوني، والعالم
اختار ألا يجيب
خاطرة مسائية مطوّلة
أكتب عن غزّة، لا لأفسّرها، بل لأعترف أنني لا أستطيع فهمها دون أن أشكّ في كل شيء. في حضرة هذا الألم، تبدو الفلسفة عارية، وتبدو اللغة محاولة يائسة لترميم معنى يتداعى
غزّة ليست مكانًا يعيش فيه الناس، بل حالة وجودية يُختبر فيها سؤال
ما قيمة الإنسان حين يصبح بقاؤه مسألة قرار خارجي؟ حين يُقاس الحق في الحياة
بميزان القوة، لا ببداهة الوجود؟
في غزّة، لا يُقتل الإنسان فقط، بل يُعاد تعريفه. يُختزل إلى رقم، إلى “خسارة جانبية”،
إلى تفصيلٍ يمكن تجاوزه في تقريرٍ مسائي
الجوع هناك ليس حدثًا طبيعيًا، بل عبثٌ مُنظَّم. هو دليل على أن العالم، حين يعجز عن تبرير العنف، يلجأ إلى تجريده من المعنى، ويترك الجسد يواجه مصيره وحده
الخبز في غزّة ليس طعامًا، بل مقاومة وجودية. إصرار صامت على أن الجسد ما زال يريد أن يكون
والماء ليس حاجة، بل سؤال ذاكرة: هل الحياة، إن استمرت بلا عدالة، تظل حياة؟
ما يحدث في غزّة ليس صراعًا بين قوتين، بل مواجهة بين إنسان أعزل وعالمٍ قرر أن يكون محايدًا
والحياد هنا ليس موقفًا، بل اختيارًا أخلاقيًا بعدم الاختيار
يقولون إن الواقع معقّد. لكن الوجود، في لحظاته القصوى، بسيط حد القسوة
إما أن تعترف بالآخر كإنسان، أو تنكر إنسانيته لتستمر في العيش بسلام
غزّة تكشف جوهر العبث: أن يُطلب من الضحية أن تبرر ألمها، بينما يُمنح القاتل رفاهية الشرح. ومع ذلك، في هذا العبث، يظهر شكلٌ عنيد من المعنى
طفل يتمسك بالحلم، أم تقتسم الجوع، إنسان يصرّ على أن يكون رغم كل شيء
غزّة لا تسأل العالم: لماذا تقتلني؟ بل تسأله: من أنت، حين ترى كل هذا وتقرر أن تكمل يومك؟
أكتب الآن، لا لأن الكتابة فعل خلاص، بل لأنها رفضٌ أخير لأن يصبح العبث طبيعيًا، ولأن أعيش دون أن أتحمّل مسؤولية الرؤية
غزّة ليست نهاية المعنى، بل امتحانه. ومن ينجح في هذا الامتحان لا يكون أكثر ذكاءً،
بل أكثر إنسانية