من يملك الحقيقة؟

خاطرة صباحية قصيرة

في زمنٍ يدّعي الوضوح، لم تعد الحقيقة شيئًا نبحث عنه، بل شيئًا يُقرَّر لنا. لم يعد السؤال: ما الذي حدث؟ بل: من سُمح له أن يعرّف ما حدث؟ الحقيقة لم تمت،
لكنها لم تعد حرة

خاطرة مسائية مطوّلة

لسنا نعيش في زمن غياب الحقيقة، بل في زمن احتكارها. فالحقيقة لم تُمحَ، بل أُعيد تنظيمها، وُضعت داخل أطر، وسُلّمت إلى مؤسسات تقرّر ما يُقال، ومتى يُقال، وكيف يُفهَم

المشكلة اليوم ليست في الكذب، بل في إدارة الصدق. فالخطاب المعاصر لا يحتاج إلى تزوير الواقع، يكفيه أن يقدّمه مجتزأً، منزوع السياق، مُفرغًا من علاقاته التاريخية والأخلاقية

الحدث في ذاته صامت. لا يقول شيئًا. المعنى لا يسكن في الوقائع، بل يُنتَج لاحقًا،
عبر التأويل، وعبر اللغة، وعبر السلطة التي تملك حق التأويل

وهنا تتحول الحقيقة من معرفة مشتركة إلى بناء خطابي. لا يُقاس بمدى مطابقته للواقع، بل بقدرته على الهيمنة

الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو لم يسأل: ما الحقيقة؟ بل سأل السؤال الأخطر
من ينتجها؟ ففي نظره، المعرفة لا تنفصل عن السلطة، والحقيقة ليست بريئة،
بل جزء من شبكة ضبطٍ وتنظيمٍ وتطبيع

الإعلام، في هذا السياق، لا ينقل الواقع، بل يُعيد إنتاجه ضمن نظامٍ معرفي يحدّد ما هو طبيعي، وما هو شاذ، وما يستحق التعاطف، وما يُترك للنسيان

نحن لا نرى العالم، بل نرى نسخته المسموح بها. وحين تتكرر صورة واحدة،
تُمحى الصور الأخرى. لا لأنّها غير موجودة، بل لأن ظهورها يهدد السردية

الفيلسوف الفرنسي جان بودريار ذهب أبعد من ذلك، حين قال إننا نعيش في زمن المحاكاة، حيث لم تعد الصورة تشير إلى الواقع، بل تحلّ محلّه
فنعيش داخل تمثيلٍ دائم، حتى نفقد القدرة على التمييز بين ما هو موجود وما هو مُنتَج لغرض الإقناع

وهكذا، لا نستهلك الأخبار، بل نُستهلك بها. تعدّد الروايات لا يهدف إلى الحقيقة،
بل إلى الإنهاك. أن تُغرق في التناقض حتى تفقد الرغبة في الفهم. وحين تتعب،
يُقال لك: كن محايدًا

لكن الحياد، في عالمٍ غير متكافئ، ليس موقفًا معرفيًا، بل قرارًا أخلاقيًا بالانسحاب من المسؤولية

اللامبالاة ليست فراغًا، بل نتيجة مُتقنة لسياسات الإرباك. الإعلام لا يقول لك فقط
ماذا تفكّر، بل يدرّبك على متى تشكّ، ومتى تصمت، ومتى تعتبر الصمت حكمة
لا خوفًا

كتب الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه: ليست الوقائع ما يهم، بل تأويلها». لكن ما لم يقله نيتشه، هو أن أخطر أشكال السيطرة هي حين يُفرَض التأويل بوصفه الواقع ذاته

في هذا العالم، يصبح الوعي الفردي آخر مساحة للمقاومة. ليس المطلوب أن ترفض كل خطاب، بل أن تُمارس الشكّ النقدي. أن تسأل: من يتكلم؟ ولصالح من؟
وماذا لم يُقَل؟ فما يُخفى ليس هامشيًا، بل غالبًا
هو جوهر المسألة

ربما لم تكن المعركة يومًا بين الحقيقة والكذب، بل بين عقلٍ يُسلَّم له المعنى، وعقلٍ يصرّ على إنتاجه

وحين تبدأ بالسؤال، لا تكون قد وصلت إلى الحقيقة، لكنك تكون قد خرجت
من دائرة الترويض

وهذا، في زمن تُدار فيه المعاني، فعلُ حرية

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

اليوم الذي انقسم فيه جسدي

Next
Next

غزّة: اختبار الضمير في زمن العدم