اليوم الذي انقسم فيه جسدي

خاطرة صباحية قصيرة

لا أعرف إن كنتُ وُلدتُ مرةً واحدة، أم أن الوجود اضطرّ إلى استدعائي من جديد. أذكر أنني متُّ في صباحٍ ما، ثم تابعتُ الحياة باسمٍ واحد وجسدٍ لا يتطابق تمامًا مع ذاكرته

ذلك اليوم لم يترك جرحًا في اللحم فقط، بل فتح في الوعي بابًا لم يُغلق منذ ذلك الحين

خاطرة مسائية مطوّلة

هناك لحظات لا تُحفظ في الذاكرة لأنها جميلة، بل لأنها كسرت استمرارية الزمن. لحظات لا نعود بعدها كما كنّا، حتى لو عشنا العمر نفسه

أكتب الآن لأن الذاكرة لا تشيخ، ولأن الجسد، مهما كبر، يظل يحمل داخله لحظة لم تُفهم حين حدثت،
لكنها ظلّت تطالب بالمعنى. صويلح لم تكن مكانًا فقط، بل زمنًا كثيفًا، حالة وجودية كانت فيها الأشياء أقل شرحًا وأكثر حضورًا

البيوت لم تكن مطلية، لكنها كانت مأهولة بالقصص. والأرض لم تكن صامتة، بل شاهدة

ذلك الصباح، قيل لنا أن نرتدي الأبيض. ولم نكن نعرف أن الأبيض يمكن أن يكون لون العبور،
لا الطهارة فقط. كنا أطفالًا لم نصل بعد إلى اللغة التي تشرح الخوف، ولا إلى الوعي الذي يطلب الإذن

أُدخلنا إلى طقس لم يُسأل فيه الجسد عن رأيه، ولا الروح عن استعدادها. هناك، لم يكن الألم هو الصدمة الأولى، بل الصمت. ذلك الصمت الثقيل الذي يُفرض على الكائن حين يُقال له: هذا ضروري
وهكذا يجب أن يكون

الجلاد لم يكن شخصًا بقدر ما كان رمزًا. لم يكن إنسانًا محدد الملامح، بل فكرة قديمة تُعاد إلى الحياة
كلما قرّر المجتمع أن الرجولة تُصنع من النزف، وأن الطاعة تسبق الفهم

في تلك اللحظة، لم أشعر أن شيئًا يُنتزع من جسدي فقط، بل من حقي في السؤال. لم يُكسر اللحم وحده،
بل انكسرت العلاقة الأولى بين الجسد والقرار

الطفولة، ذلك الكيان الهش، لم تغادر بهدوء، بل انسحبت فجأة كمن أدرك أنه لم يعد مرحّبًا به. حين حدث القطع، لم يكن الألم لحظة، بل شرخًا في الزمن. انقسمتُ إلى اثنين: واحدٌ بقي هناك، على الطاولة، وآخر عاد إلى الحياة حاملًا ذاكرة لم يعرف كيف يسميها

قالوا
“صرت رجلًا.” لكنني لم أفهم كيف يمكن للرجولة أن تبدأ من غياب الاختيار. كنت حيًا، لكن شيئًا ما في داخلي دخل في حدادٍ طويل. ليس حدادًا على الجسد، بل على تلك النسخة منّي التي لم يُسمح لها أن تقول
لا. كبرت، وكبر معي السؤال. لم أُعاند الطقس، ولا شكّكت في الأصل، لكنني تساءلت عن المسافة بين المعنى والممارسة، بين الرمز والجرح، بين الإيمان والتجربة غير المفهومة

فالإنسان لا يتكوّن من لحمٍ فقط، بل من تفسيرٍ لما يحدث له. وحين يُترك الحدث بلا تفسير، تتحوّل الذاكرة إلى ندبة

ذلك الطفل ما زال يسكنني. لا يصرخ، بل ينتظر اعترافًا. اعترافًا بأن ما شعر به كان حقيقيًا، وبأن الألم الذي لم يُشرح ليس ضعفًا، بل سؤالًا مؤجّلًا

أكتب الآن لا لأدين، ولا لأتمرّد، بل لأفهم. لأمنح الذاكرة لغة لم تُعطَ لها في وقتها

أكتب لأن الكلمات قد لا تُعيد ما فُقد، لكنها تمنح المعنى فرصةً أخيرة لأن يلتحق بالجسد

  

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

الانتماء كمسؤولية أخلاقية

Next
Next

من يملك الحقيقة؟