حين يتحول الصوم إلى عادة
رمضان 2026 يطلّ على العالم العربي كعادته كل عام، هلالٌ جديد وقلوبٌ تنتظر الطمأنينة تُضاء المآذن، تضجّ الأسواق، تتصافح الأرواح عند أذان المغرب، لكن خلف هذا المشهد الإيماني المتكرر يقف سؤال لا يريد أن يصمت: لماذا تبدو أزماتنا أكثر ثباتًا من طقوسنا؟ ولماذا نتقن الصبر على الجوع أكثر مما نتقن الصبر على الإصلاح؟
في عالمٍ عربي اعتاد إدارة الأزمات بدل إنهائها، أصبحنا خبراء في التكيّف مع الخلل. نعيش بمنطق “تجاوز المرحلة” لا “بناء المرحلة”. نُهدّئ القلق بدل أن نواجه سببه، ونؤجل القرارات المصيرية بحجة الوقت غير المناسب، حتى صار التأجيل سياسة، وصار الانتظار ثقافة
الشباب العربي يقف في منتصف الطريق؛ لا هو عاجز عن الحلم، ولا هو قادر على تحقيقه بسهولة. يدرس، يجتهد، يتخرج، ثم يدخل في متاهة البحث الطويل. ليس الخوف من العمل هو المشكلة، بل الخوف من أن يتحول الجهد إلى صدى بلا نتيجة. حين يشعر جيل كامل أن الكفاءة لا تكفي وحدها، وأن الطريق لا يُفتح إلا بمفاتيح خاصة، تبدأ الثقة بالانكماش، ويبدأ الإحباط بصناعة رأي عام صامت
المفارقة أن المنطقة لا تعاني دائمًا من ندرة الإمكانات، بل من سوء إدارتها. ثروات في باطن الأرض، ومواقع جغرافية استراتيجية، وطاقة بشرية شابة كان يمكن أن تكون وقود نهضة حقيقية. لكن الاقتصاد حين يُبنى على الريع لا الإنتاج، وحين تُثقل البيروقراطية روح المبادرة، تتباطأ الحركة حتى في وجود الموارد. النمو الذي لا ينعكس عدلًا على حياة الناس يتحول إلى أرقام في التقارير، لا إلى كرامة في البيوت
أما التعليم، ذلك الأمل المتكرر في كل خطاب إصلاحي، فما زال في كثير من الأحيان يدور في دائرة الامتحان لا دائرة الفهم. نحفظ أكثر مما نفكر، ونكرر أكثر مما نبتكر. نُخرّج أفواجًا من الشهادات، لكن سوق العمل يبحث عن مهارات لا نجدها في المناهج. في زمن التحول الرقمي السريع، لا يكفي أن يكون الإنترنت متاحًا؛ المهم أن تتحول المعرفة إلى إنتاج، وأن يتحول الاستخدام إلى إبداع لا استهلاك
الصحة بدورها تكشف هشاشة بعض البنى. حين يصبح المرض عبئًا ماليًا قبل أن يكون تحديًا طبيًا، ندرك أن العدالة الصحية ليست ترفًا. تفاوت الخدمات بين المدن والأطراف، وضغط الموارد، وهجرة الكفاءات، كلها مؤشرات على حاجة ملحّة لإعادة النظر في الأولويات. المواطن لا يطلب المستحيل؛ يطلب نظامًا يحترم إنسانيته
الفساد ليس دائمًا مشهدًا ضخمًا في نشرات الأخبار؛ أحيانًا يبدأ بتفصيل صغير. تجاوز قانون، محاباة قريب، استغلال موقع بسيط. حين تصبح هذه التفاصيل مألوفة، تتآكل الثقة تدريجيًا. الدول لا تنهار فجأة، بل تفقد تماسكها حين يضعف الإيمان بعدالة قواعدها
ولا يمكن تجاهل أثر النزاعات التي مزّقت أجزاء من المنطقة. مدن أعيد رسمها بالدم، وأجيال كبرت في ظل عدم الاستقرار. لكن حتى في ظل هذه التحديات، يبقى السؤال قائمًا: هل نكتفي بدور الضحية، أم نملك شجاعة مراجعة أنفسنا أيضًا؟
رمضان يكشف تناقضًا عميقًا. حضور روحي كثيف، وشعور جماعي بالتقوى، لكن ترجمة القيم إلى أنظمة عادلة ما زالت متعثرة. الصوم في جوهره تدريب على الانضباط والعدل، لا مجرد امتناع عن الطعام. فإذا لم ينعكس هذا الانضباط في مؤسساتنا وسلوكنا العام، بقيت العبادة فردية الأثر، محدودة التأثير
النقد في هذا السياق ليس طعنًا في الأوطان، بل محاولة لإنقاذها من الرضا بالحد الأدنى. العالم العربي يملك من التاريخ والقدرات ما يؤهله لمرحلة أفضل، لكنه يحتاج إلى مواجهة صريحة مع ذاته؛ مواجهة تُعيد الاعتبار للكفاءة، وتكسر ثقافة “المشي الحال”، وتحوّل الخطاب إلى خطط قابلة للتنفيذ
رمضان 2026 قد يكون فرصة مراجعة. ليس بعدد الصائمين، بل بمدى قدرتنا على صومٍ آخر؛ صومٍ عن التبرير، وعن الهروب من المسؤولية، وعن إعادة الأخطاء ذاتها. لأن الصوم الحقيقي ليس فقط جوع الجسد، بل صحوة الضمير، وقرار البدء من نقطة صدق جديدة