الهوية الوطنية في زمن السوشيال ميديا

لم تعد الهوية الوطنية في الأردن تتعرض لتحديات تقليدية يمكن احتواؤها بخطاب رسمي أو نشاط مدرسي، بل تواجه اليوم اختبارًا يوميًا مفتوحًا على شاشات الهواتف. فالسوشيال ميديا لم تعد وسيلة ترفيه، بل أصبحت بيئة كاملة تُعيد تشكيل الوعي والانتماء وأنماط التفكير

ووفق بيانات صادرة عن دائرة الإحصاءات العامة، فإن نسبة انتشار الإنترنت في الأردن تجاوزت 88% من السكان، فيما يستخدم الغالبية العظمى من الشباب منصات التواصل الاجتماعي بشكل يومي ولساعات طويلة. هذه الأرقام لا تعني فقط اتصالًا رقميًا واسعًا، بل تعني أن تشكيل القيم والرأي العام بات يجري في فضاء افتراضي أكثر مما يجري في المساحات التقليدية

السؤال الصريح الذي يجب أن نطرحه: من يوجّه هذا الفضاء؟ ومن يصوغ الرواية؟
هل نترك أبناءنا لتدفق غير منضبط من المحتوى العابر للحدود، أم نمتلك مشروعًا وطنيًا رقميًا يعزز الثقة بالهوية ويحصّنها؟

لا أحد ينكر أن السوشيال ميديا منحت الأردنيين مساحة للتعبير، وكشفت طاقات إبداعية، وروّجت لصورة الأردن عالميًا. لكنها في المقابل فتحت الباب أمام خطاب متشنج، ومعلومات غير دقيقة، واستقطاب حاد قد يضعف الثقة بالمؤسسات ويغذي الإحباط. الأخطر من ذلك أن بعض الخطابات الرقمية تسعى – بقصد أو دون قصد – إلى التشكيك بكل ما هو وطني، وتصوير الانتماء وكأنه موقف عاطفي ساذج لا قيمة له في عالم المصالح

الهوية الوطنية ليست قميصًا نرتديه في المناسبات، ولا وسمًا نضعه على الصور، بل منظومة قيم تقوم على الاحترام والمسؤولية والانتماء الواعي. والانتماء لا يعني رفض النقد، بل يعني أن يكون النقد بنّاءً لا هادمًا، وأن يكون الاختلاف في إطار الثوابت لا على حسابها

إن التحدي الحقيقي ليس في التكنولوجيا، بل في الفراغ. فالفراغ الفكري والثقافي هو ما يسمح لأي موجة عابرة بأن تملأ المساحة. وحين يغيب الخطاب الوطني الرصين عن الفضاء الرقمي، تحضر بدائل قد لا تعكس هوية المجتمع الأردني ولا مصالحه

المطلوب اليوم ليس محاربة السوشيال ميديا، بل دخولها بثقة، بخطاب متزن، وبمشروع وطني رقمي يواكب العصر دون أن يتخلى عن الجذور. فالأردن الذي حافظ على تماسكه وسط عواصف إقليمية كبرى، قادر على حماية هويته في الفضاء الرقمي، إذا ما توفرت الإرادة والرؤية

ختامًا، فإن معركة الهوية الوطنية لم تعد نقاشًا ثقافيًا نظريًا، بل أصبحت مسألة أمن ووعي وسيادة. فالدولة التي لا تملك خطابًا رقميًا قويًا ومتماسكًا، تترك فراغًا تملؤه روايات مشوشة قد تمس ثقة المواطن بمؤسساته وتضعف تماسكه الداخلي. الهوية ليست شعارًا رسميًا، بل عقدًا غير مكتوب بين الدولة والمجتمع، يقوم على الثقة المتبادلة والعدالة والشفافية. وإذا لم نُحسن إدارة الفضاء الرقمي بخطاب صريح ومسؤول، فإننا نخاطر بترك الأجيال القادمة عرضة لتيارات لا تعبّر عن مصالح الوطن. اليوم، المسألة ليست دفاعًا عاطفيًا عن الهوية، بل حماية واعية لها، لأن استقرار الدول يبدأ من وعي مواطنيها، وينتهي عند قدرتهم على التمييز بين النقد البنّاء ومحاولات التشكيك الممنهج

 

Previous
Previous

حين يتحول الصوم إلى عادة

Next
Next

سؤال الهوية