حين تهبط الأرقام ولا تصل إلى المائدة
بعد أكثر من أربعة عقود قضيتها بين المطارات والغيوم، تعلّمت أن المشهد من الأعلى قد يكون خادعًا؛ فالمدن تبدو هادئة، والطرقات منتظمة، والبيوت نقاطًا صغيرة متشابهة، لكن داخل كل بيت حكاية لا تراها السماء، وأسئلة ثقيلة عن الدخل والفواتير ونهاية الشهر
ولهذا، كلما أُعلن عن نمو اقتصادي أو خطة إصلاح جديدة، يظل السؤال الأكثر صدقًا: هل وصل أثرها إلى الأسرة الأردنية؟ هل تحسنت قدرتها على العيش، أم أن الأرقام واصلت التحليق في التقارير بينما بقي المواطن على الأرض يواجه الغلاء وحده؟
فالاقتصاد الحقيقي لا يبدأ من جداول الموازنة، بل من مائدة الطعام، وفاتورة الكهرباء، وقسط الجامعة، وكلفة الدواء وأجرة النقل. وحين يبقى الدخل شبه ثابت، بينما ترتفع كلف السكن والغذاء والطاقة والتعليم، لا تعيش الأسرة أزمة حسابية فحسب، بل تفقد شعورها بالأمان. ويتحول الشهر إلى رحلة قلق متواصلة، تُؤجَّل فيها القرارات، وتُختصر الاحتياجات، ويصبح الطارئ البسيط أزمةً كاملة
والحد الأدنى للأجور، مهما بدا واضحًا في التشريعات، لا يكشف وحده حقيقة المعيشة. فالقيمة ليست في الرقم المكتوب، بل في مقدار ما يبقى منه بعد الضروريات. فإذا استهلكت الحاجات الأساسية معظم الدخل، فأين مساحة الادخار، أو العلاج، أو تعليم الأبناء، أو الاستعداد ليوم صعب؟
في الرحلات الطويلة، لا تكفي كمية الوقود وحدها لضمان الوصول؛ بل يجب حساب الحمولة والمسافة والظروف والاحتياط. وكذلك الاقتصاد: لا تكفي المؤشرات الكلية الإيجابية إن لم تُترجم إلى قدرة شرائية، وفرص عمل، وخدمات تخفف العبء عن الناس
فالطبقة الوسطى وأصحاب الدخل المحدود ليسوا هامشًا يمكن مطالبته بالمزيد من الصبر، بل هم الجسد الذي يحمل السوق، ويدفع الضرائب، ويعلّم الأبناء، ويحفظ استقرار المجتمع. وحين يتآكل دخلهم، لا تتراجع رفاهيتهم وحدها، بل يضيق الأفق أمام الاقتصاد كله
الإصلاح الذي لا يصل إلى المائدة يبقى معلقًا في الهواء. والدول لا تستقر لأن تقاريرها مطمئنة فقط، بل لأن مواطنيها ينامون وهم أقل خوفًا من الغد
فحين تضيق المائدة وتتسع الأرقام، يكون الخلل قد تجاوز الاقتصاد إلى معنى العدالة نفسه