الحياة… كما أبصرتها من رحاب السماء
مضت بي السنون، وطوّحت بي الأسفار في مناكب الأرض، حتى جاوزت السبعين، وقد أنفقت من عمري أكثر من أربعة عقود بين إقلاع وهبوط، ومغيب وشروق. وكنت في مستهل الرحلة أحسب أن كثرة الترحال تورث الحكمة، وأن من طاف البلاد وأبصر اختلاف العمران قد أوتي من المعرفة حظًّا وافرًا. ثم تبيّن لي، بعد طول اختبار، أن المرء قد يقطع الآفاق، ولا يبرح موضعه من الجهل بنفسه، وأن البصيرة ليست فيما تقع عليه العين، بل فيما ينفذ إليه القلب من خفايا المعنى
كنت إذا علوت في جوف السماء رأيت المدن وقد ضؤلت، والحدود وقد اضمحلّت، والجبال والبحار ممتدةً لا تعبأ بما أقامه الناس بينها من حواجز وأسماء. فخال لي أن الأرض واحدة، وأن الإنسان هو الذي شتّت وحدتها حين عظّم ما يفصله عن أخيه، وغفل عما يجمعهما من ضعف ورجاء ومصير.
غير أن العلو، على ما فيه من سعة النظر، لا يكشف مكنون الحياة؛ فالبيوت التي تبدو من فوق كالنقاط الساكنة قد تضطرم في جنباتها أحزان لا تُروى، والطرقات التي تبدو خطوطًا مستقيمة قد تكون دروب فراق أو منفى أو رجوع طال انتظاره. فعلمت أن البعد يريك صورة الأشياء، أما القرب فيكشف حقيقتها
رأيت أقوامًا قلّ متاعهم وكثر سخاؤهم، وآخرين اتسعت خزائنهم وضاقت صدورهم. ورأيت العقل يشيد البنيان، ولا يهتدي دائمًا إلى السكينة، والحلم يوقظ الهمم، ثم ينقلب لهاثًا لا غاية له. ورأيت الذاكرة تحفظ للأمم جذورها، ثم تصبح قيدًا إذا احتمت بالماضي فرارًا من واجب الحاضر
ودخلت مساجد وكنائس ومعابد، فإذا الخلق، على اختلاف سبلهم، يتطلعون إلى معنى يهوّن عليهم وحشة الفناء، ويجعل لأوجاعهم موضعًا في هذا الوجود. فالدمع لا لسان له، والخوف لا وطن له، والقلب البشري واحد وإن اختلفت عليه الأسماء
وعلّمتني الرحلة أن الإقلاع جرأة، وأن الهبوط رزانة؛ فليس الفضل في أن تعلو، بل في أن تعود من علوّك وقد ازددت تواضعًا ورحمة
وخلاصة ما وعيت: لا تجعل الألم يفسد سريرتك، ولا تجعل النعمة تطغيك، ولا تؤخر المودة حتى يحول الموت بينك وبين الاعتذار. فإن المرء لا يبقى بما جمع، بل بما غرس في القلوب من خير، وما خلّف في النفوس من أثر كريم