أشدّ ما يؤلم في الصورة المتداولة باسم عمر المختار ليس سكون الجسد وحده، بل ما تفعله بنا المسافة بين زمنه وزمننا. نحدّق في رجل انتهت حياته دفاعًا عن أرضه، ثم نرفع أعيننا إلى حاضر تتكرر فيه المأساة بأسماء أخرى. تتغير ملابس الجنود وتتطور أدوات القتل وتصبح للغارة صورة مباشرة وللضحية رقم يتجدد، لكن الإنسان الذي يُنتزع من بيته يظل يعرف الخوف نفسه. وحدها لغتنا تزداد مهارة في شرح ما يحدث، كأن كثرة التفسير تستطيع أن تعوّض قلّة الفعل.
نسبة الصورة إلى جثمان المختار تحتاج إلى توثيق يتجاوز الكلمات المكتوبة تحتها. غير أن السؤال الذي تفتحه لا يتوقف عند هوية الجسد. لماذا يحرص المنتصر على إظهار خصمه عاجزًا حتى بعد موته؟ ربما لأنه يدرك أن إخضاع الجسد لا يضمن إخضاع المعنى. يريد أن يجعل الأرض التي يرقد عليها المقاوم شاهدًا على نهاية الاعتراض، ثم يكتشف أن الصورة تستطيع أن تحفظ للمهزوم حضورًا أطول من حضور الذين وقفوا فوقه.
وهذا ما يجعل عمر المختار حاضرًا في فلسطين، دون حاجة إلى اختراع تشابه كامل بين تجربتين مختلفتين. فهناك رابطة أعمق من التفاصيل تتصل بحق الإنسان في أن تكون أرضه مكانًا لحياته وأن يكون بيته امتدادًا لوجوده وأن يملك مستقبلًا لا يتوقف على إذن من القوة التي تتحكم به. تبدأ المأساة حين يصبح على صاحب الأرض أن يقدّم المبررات لبقائه، بينما يُمنح الذي يضيّق عليه حق تعريف الأمن والحدود وشروط الحياة.
في غزة يبلغ هذا السؤال أقسى صوره. فالبيت الذي يسقط يحمل أكثر من حجارة، يحمل ترتيب الأيام كما عرفته عائلة ونافذة اعتادت أم أن تنتظر عندها ومكانًا حفظ خطوات الأطفال وحين يتحول كل ذلك إلى ركام، لا يكفي أن نحصي الخسارة بعدد المباني. هناك حياة داخلية تُقتلع وعلاقة بالعالم تتصدع وطفل يتعلم باكرًا أن السقف الذي يفترض أن يحمي نومه قد يصبح مصدر خوفه. أي معنى يبقى لكلام العالم عن الإنسانية إذا كانت حماية هذه البديهيات تحتاج إلى كل هذا التفاوض؟
وفي الضفة الغربية تتخذ المأساة إيقاعًا آخر. يمكن أن يستمر النهار ظاهريًا، أن يذهب الناس إلى أعمالهم وأن تُفتح المتاجر، بينما تبقى حياتهم معلقة على حاجز أو طريق مغلق أو خوف من اقتحام. يصبح الوصول إلى المكان جزءًا من الصراع ويُستهلك العمر في انتظار لا يختاره صاحبه. هكذا يمتد التحكم من الأرض إلى الوقت ومن حركة الجسد إلى قدرته على التخطيط. من لا يملك أن يضمن وصوله إلى عمله أو جامعته أو أرضه، يُدفع إلى عيش يومه كما لو أنه احتمال مؤقت.
لهذا تبدو الدولة الفلسطينية أعمق من صيغة تتكرر في البيانات. إنها السؤال عن الجهة التي تملك القرار في حياة الفلسطيني وعن قدرته على أن يبني غده على حق ثابت. الدولة في معناها الإنساني بيت واسع للقانون والمسؤولية، يستطيع المواطن داخله أن يحاسب السلطة التي تحكمه وأن يعرف حدودها وواجباتها. أما حين يبقى مصيره موزعًا بين وعود الخارج وموازين القوة، فإن المستقبل نفسه يصبح أداة ضغط عليه.
ثم تأتي الانتخابات الإسرائيلية، فتتحرك الأسماء وتعلو المنافسة وتستحوذ حسابات المقاعد والتحالفات على الاهتمام ومن حق المتابع أن يسأل عن الفروق بين البرامج وعن أثر تبدل الحكومات، فالفروق قد تكون مؤثرة في حياة الناس ولا يجوز محوها بعبارة غاضبة. لكن الفلسطيني يملك سؤالًا أكثر التصاقًا بحياته من سؤال الفائز والخاسر. ماذا سيتغير في حقه بالحرية وفي أمن أطفاله وفي قدرته على البقاء في أرضه وفي إمكان قيام دولته؟
هنا يستعيد المثل الأردني -الخل أخو الخردل- قسوته. يصير مفهومًا حين يجد المظلوم أن الخيارات التي تُعرض أمامه تتنافس في إدارة واقعه أكثر مما تتنافس في إنهاء الظلم الواقع عليه. قد يختلف المتنافسون في الأسلوب والتوقيت والتحالفات، لكن معيار الحكم عليهم يجب أن يبقى ما يفعلونه بحقوق الفلسطينيين. فالاسم الجديد لا يحمل بذاته ضمانة أخلاقية والوجه الذي يتقن مخاطبة العالم قد يترك لصاحب البيت الخوف نفسه عند الباب.
والمشكلة أوسع من صناديق الاقتراع داخل إسرائيل. إنها تشمل عالمًا يمنح تبدل الحكومات اهتمامًا يفوق ما يمنحه لاستمرار الحرمان. كأن علينا، بعد كل جولة سياسية، أن نعلّق الأسئلة الأساسية وننتظر تشكل ائتلاف جديد وفي أثناء الانتظار يكبر أطفال وتضيع أعوام وتتآكل قدرة عائلات على الاحتمال. الوقت الذي يبدو في الدبلوماسية فرصة إضافية، قد يكون في حياة المحاصرين والمهجّرين خسارة لا يمكن استعادتها.
لو حضر عمر المختار بيننا، لربما استوقفته هذه القدرة على تحويل الحق إلى موعد مؤجل. سيجد كلمات كثيرة عن التسوية والاستقرار والظروف المناسبة، ثم يسأل عن الإنسان الذي طُلب منه أن ينتظر حتى تنضج ظروف الآخرين ولعل أقسى ما في الانتظار السياسي أنه يطالب الضعيف بالصبر، بينما يترك للقوي حرية تغيير الأرض التي يدور التفاوض حولها وبعد ذلك يُسأل الضعيف عن سبب غضبه، كما لو أن السنوات التي انتُزعت منه لم تكن حدثًا يستحق الغضب.
لكن استحضار المختار لا يعفينا من مساءلة أنفسنا. لقد أصبح سهلًا أن نحب فلسطين في اللغة وأن نختلف عليها حتى نبدد ما نستطيع تقديمه لأهلها. نحملها إلى خصوماتنا، ونقيس آلامها بمواقف أصحابها، وقد نطالب الفلسطيني تحت الخطر ببطولة لا نطالب بها أنفسنا في الأمان. التضامن الذي يحترم الإنسان يصغي إليه ويصون حقه في الحياة ولا يجعل موته شرطًا لاستحقاق المحبة أو دليلًا دائمًا على عدالة قضيته.
وما كنا عليه يستحق قراءة أشد صدقًا من الحنين. لم يكن الماضي خاليًا من الخوف أو الانقسام أو الخذلان ولم يكن كل من عاش زمن المختار شبيهًا به. البطولة ظهرت وسط تلك الصعوبات ومن هنا تأتي قيمتها. أما حاضرنا ففيه أيضًا من يحمل المسؤولية بصمت، ومن يعالج ويعلّم ويوثّق ويحفظ ذاكرة بيت مهدد بالنسيان. هؤلاء يمنحون الكرامة عملًا يوميًا، ويذكّروننا بأن القدرة على الفعل لا تبدأ دائمًا من المنبر ولا تنتهي عند الحدود التي يرسمها العجز الكبير.
المصيبة أن نرضى لأنفسنا بدور جمهور يتابع التاريخ وهو يعيد جراحه. ننظر إلى صورة المختار فنطمئن إلى أن لنا أبطالًا وننظر إلى فلسطين فننتظر أن يظهر بطل آخر يحمل عنا عبء الموقف وفي هذا الانتظار نحمّل أفرادًا استثنائيين مسؤولية تقصير طويل، ثم نكتب عنهم بعد رحيلهم الكلمات التي كان ينبغي أن تتحول إلى عمل في حياتهم.
سيبقى عمر المختار في الذاكرة وستتبدل الحكومات وتُجرى الانتخابات وتظهر وجوه تتعهد بمستقبل مختلف. لكن صدق ذلك المستقبل سيُقاس عند بيت في غزة وعلى طريق في الضفة الغربية وفي حق الفلسطيني بأن تكون له دولة وحياة لا تستأذن أحدًا في كرامتها. هناك يصبح الكلام قابلًا للاختبار وهناك أيضًا يتحدد موقعنا من الصورة، هل نكتفي بأن نترحم على رجل قاوم اقتلاع شعبه، أم نفهم أخيرًا ما تفرضه علينا محبته حين نرى شعبًا آخر يُدفع إلى المصير نفسه؟