الكلاب الضالة في عمّان
الخاطرة الصباحية
حين تعجز المدينة عن ضبط تفاصيلها الصغيرة، تكشف عن خللٍ في إدارتها الكبرى. فالكلاب الضالة ليست مجرد مشهد ليلي عابر، بل علامة على فجوة بين الوعد والفعل، وبين التخطيط والواقع، حيث ينام الناس على القلق وتصحو الشوارع على الفراغ
الخاطرة المسائية
المدينة، في معناها العميق، عقدٌ غير مكتوب بين الإنسان والمكان: أمانٌ مقابل الانتماء، ونظامٌ مقابل الحياة. وحين يختل هذا العقد، تظهر الأزمات في أبسط صورها وأكثرها إيلامًا. وما تشهده عمّان من تفشٍ مستمر للكلاب الضالة ليس مجرد مسألة بيئية أو خدمية، بل تعبير صريح عن تعثّر الإدارة في تحويل السياسات المعلنة إلى واقع ملموس
لقد طُرح برنامج “ABC” بوصفه حلاً إنسانيًا وعلميًا، يقوم على مبدأ التوازن بين الرفق بالحيوان وسلامة المجتمع. غير أن الفكرة، مهما بدت متقدمة نظريًا، تفقد قيمتها حين تُطبّق بانتقائية، أو تُترك دون متابعة حقيقية. فالتعقيم دون إدارة شاملة، والإعادة دون دراسة للبيئة السكانية، يحوّلان الحل إلى إعادة إنتاج للأزمة بصيغة مختلفة
ليل عمّان اليوم ليس كما ينبغي أن يكون؛ شوارع يسودها العواء بدل الطمأنينة، وأحياء يتحرك فيها الخوف أكثر من الناس. ومع تكرار البلاغات وضعف الاستجابة، يشعر المواطن بأن صوته أقل حضورًا من المشكلة ذاتها، وأنه مطالب بالتكيّف بدل أن يكون محميًا. هنا لا يصبح الخطر جسديًا فقط، بل نفسيًا أيضًا، إذ يتآكل الإحساس بالأمان تدريجيًا
المعضلة أعمق من غياب الفرق الميدانية أو بطء الإجراءات؛ إنها أزمة رؤية. فالإدارة التي لا تفرّق بين حيّ مكتظ وآخر طرفي، ولا تراعي الخصوصية الاجتماعية لكل منطقة، تُدير المشكلة كرقم لا كواقع حي. كما أن إشراك المجتمع بشكل شكلي، دون تمكينه أو الاستماع الجاد له، يفرغ أي مبادرة من مضمونها
الكلاب الضالة، في هذا السياق، لم تعد قضية حيوانات شاردة، بل اختبارًا لقدرة المدينة على حماية سكانها، وعلى الموازنة بين القيم الإنسانية والواجبات الخدمية. فالرفق بالحيوان لا يتناقض مع حق الإنسان في الأمان، لكن الجمع بينهما يحتاج إلى إرادة حقيقية، لا إلى برامج تُعلن وتُترك
ما تحتاجه عمّان اليوم ليس مزيدًا من التبرير، بل شجاعة الاعتراف بأن ما كان كافيًا على الورق لم يعد مقنعًا في الشارع. تحتاج إلى فرق حاضرة، وخطط مرنة، واستجابة سريعة، وإشراك فعلي للمجتمع، ومراجعة جادة لآليات التطبيق. فالأزمات التي تُهمل طويلًا لا تختفي، بل تتحول إلى عبء يومي ينهك المدينة وسكانها معًا
إن إنقاذ المدينة من هذا القلق الليلي يبدأ حين تتحول المسؤولية من خطاب إلى فعل، ومن إدارة أزمة إلى منعها، ومن وعود مؤجلة إلى حلول تُرى وتُحسّ. فالأمان ليس ترفًا، بل حقٌّ أساسي لا يحتمل المزيد من الانتظار