حين تتحول الجلسات الرقابية إلى منابر شعارات

الخاطرة الصباحية
حين تتحوّل الجلسات الرقابية إلى مساحات للشعارات، يغيب الدور النيابي عن جوهره، ويعلو الصوت على الفكرة. فالمؤسسة لا تُقاس بما يُقال تحت قبتها، بل بقدرتها على تحويل الكلام إلى مسؤولية، والانفعال إلى وعي، والموقف إلى فعلٍ يخدم الدولة لا الصورة

الخاطرة المسائية

البرلمان، في معناه الأعمق، ليس مسرحاً للخطابة ولا ساحةً لتبادل الانفعالات، بل فضاءٌ للعقل السياسي حين يكون في أبهى تجلّياته. وما شهدته الجلسة الأخيرة يفتح باباً للتأمل في الفارق بين الحضور الصوتي والحضور المؤسسي، وبين الشعار بوصفه تعبيراً عاطفياً، والدور النيابي بوصفه التزاماً دستورياً وأخلاقياً

لقد كان من المفترض أن تنصرف الجلسة إلى جوهرها: نقاش هادئ ومسؤول لقضية أمنية حسّاسة، تُدار بمنطق الدولة لا بمنطق الاصطفاف. فالقضايا التي تمس أمن الوطن لا تحتمل التهويل، ولا تُخدم بالخروج عن سياقها، بل تحتاج إلى احترام الفصل بين السلطات، وإلى ثقة راسخة بأن القضاء هو الجهة الوحيدة المخوّلة بالفصل، لا المنابر ولا الانطباعات

حين يُزاح النقاش عن مساره القانوني والمؤسسي، ويُستبدل بخطابات مشحونة، يفقد العمل النيابي معناه، وتُصاب هيبة المؤسسة بالتآكل. فمجلس النواب ليس مقياساً للولاء، ولا اختباراً للمشاعر، بل تعبيرٌ عن وعي الدولة بذاتها، وعن قدرتها على إدارة الاختلاف ضمن إطار من العقل والمسؤولية

الوطنية، في جوهرها، ليست كلمات تُقال في لحظة انفعال، بل سلوكٌ مستمر يقوم على احترام الدستور، وصون القانون، وحماية المال العام، ومساءلة السلطة بجرأة هادئة لا بصخب عابر. الوطن لا يحتاج إلى من يرفع صوته باسمه، بل إلى من يعمل بصمتٍ من أجله، ويجعل من المنصب تكليفاً لا منبراً

إن ما جرى لا ينبغي أن يُقرأ كحادثة منفصلة، بل كفرصة لمراجعة المسار: كيف نعيد للجلسات الرقابية معناها الحقيقي؟ وكيف يستعيد النائب دوره بوصفه ممثلاً لإرادة الناس، لا صدىً للشعارات؟ الإجابة تكمن في العودة إلى الأصل: رقابة واعية، وتشريع مسؤول، وخطاب يعكس نضج الدولة لا انفعال اللحظة

لعل هذه الجلسة تكون محطة وعي لا مجرد ذكرى، وبداية لإعادة الاعتبار للبرلمان كمكان تُدار فيه القضايا الكبرى بالعقل، لا بالشعار، وبالمسؤولية، لا بالمزاودة

  

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

الكلاب الضالة في عمّان

Next
Next

فوضى الخطاب النيابي