حين تتحول الجلسات الرقابية إلى منابر شعارات
الخاطرة الصباحية
حين تتحوّل الجلسات الرقابية إلى مساحات للشعارات، يغيب الدور النيابي عن جوهره، ويعلو الصوت على الفكرة. فالمؤسسة لا تُقاس بما يُقال تحت قبتها، بل بقدرتها على تحويل الكلام إلى مسؤولية، والانفعال إلى وعي، والموقف إلى فعلٍ يخدم الدولة لا الصورة
الخاطرة المسائية
البرلمان، في معناه الأعمق، ليس مسرحاً للخطابة ولا ساحةً لتبادل الانفعالات، بل فضاءٌ للعقل السياسي حين يكون في أبهى تجلّياته. وما شهدته الجلسة الأخيرة يفتح باباً للتأمل في الفارق بين الحضور الصوتي والحضور المؤسسي، وبين الشعار بوصفه تعبيراً عاطفياً، والدور النيابي بوصفه التزاماً دستورياً وأخلاقياً
لقد كان من المفترض أن تنصرف الجلسة إلى جوهرها: نقاش هادئ ومسؤول لقضية أمنية حسّاسة، تُدار بمنطق الدولة لا بمنطق الاصطفاف. فالقضايا التي تمس أمن الوطن لا تحتمل التهويل، ولا تُخدم بالخروج عن سياقها، بل تحتاج إلى احترام الفصل بين السلطات، وإلى ثقة راسخة بأن القضاء هو الجهة الوحيدة المخوّلة بالفصل، لا المنابر ولا الانطباعات
حين يُزاح النقاش عن مساره القانوني والمؤسسي، ويُستبدل بخطابات مشحونة، يفقد العمل النيابي معناه، وتُصاب هيبة المؤسسة بالتآكل. فمجلس النواب ليس مقياساً للولاء، ولا اختباراً للمشاعر، بل تعبيرٌ عن وعي الدولة بذاتها، وعن قدرتها على إدارة الاختلاف ضمن إطار من العقل والمسؤولية
الوطنية، في جوهرها، ليست كلمات تُقال في لحظة انفعال، بل سلوكٌ مستمر يقوم على احترام الدستور، وصون القانون، وحماية المال العام، ومساءلة السلطة بجرأة هادئة لا بصخب عابر. الوطن لا يحتاج إلى من يرفع صوته باسمه، بل إلى من يعمل بصمتٍ من أجله، ويجعل من المنصب تكليفاً لا منبراً
إن ما جرى لا ينبغي أن يُقرأ كحادثة منفصلة، بل كفرصة لمراجعة المسار: كيف نعيد للجلسات الرقابية معناها الحقيقي؟ وكيف يستعيد النائب دوره بوصفه ممثلاً لإرادة الناس، لا صدىً للشعارات؟ الإجابة تكمن في العودة إلى الأصل: رقابة واعية، وتشريع مسؤول، وخطاب يعكس نضج الدولة لا انفعال اللحظة
لعل هذه الجلسة تكون محطة وعي لا مجرد ذكرى، وبداية لإعادة الاعتبار للبرلمان كمكان تُدار فيه القضايا الكبرى بالعقل، لا بالشعار، وبالمسؤولية، لا بالمزاودة