حين تكون القيم في مكانٍ آخر

في عام ٢٠١٠ نشر الباحثان شهرازاد رحمن وحسين عسكري من جامعة جورج واشنطن دراسة بعنوان "إلى أي حدّ تبدو الدول الإسلامية إسلامية؟" في مجلة أكاديمية متخصصة بالاقتصاد العالمي. لم يكن هدف الدراسة أن تقيس تدين الناس، ولا أن تدخل في عقائدهم أو عباداتهم، بل أن تطرح سؤالًا مختلفًا: إلى أي مدى تظهر القيم التي يؤكد عليها الإسلام في مؤسسات الدولة وفي حياة المجتمع؟

ركزت الدراسة على معايير مثل العدل، والأمانة، وسيادة القانون، وحماية الحقوق، وصيانة كرامة الإنسان، وكفاءة الاقتصاد، والحكم الرشيد، والعلاقات الدولية. وبنى الباحثان مؤشرًا طبّقاه على ٢٠٨ دول، ثم قارنا بينها وفق هذه المعايير

وجاءت النتائج لافتة. فقد تقدمت دول مثل نيوزيلندا ولوكسمبورغ وأيرلندا وأيسلندا وفنلندا والدنمارك وكندا وبريطانيا، بينما جاءت دول ذات أغلبية مسلمة في مراتب أبعد. فظهرت ماليزيا في المرتبة ٣٨، والكويت في المرتبة ٤٨، والأردن في المرتبة ٧٧ في ذلك الإصدار من الدراسة

لكن هذه الأرقام لا تعني أن دولة ما أكثر إيمانًا من أخرى، ولا أن الشعوب يمكن أن تُقاس عقائدها بالجداول. فالإيمان شأن أعمق من أن تختصره الإحصاءات. ما تقيسه الدراسة هو حضور بعض القيم في الواقع العام، لا ما يستقر في القلوب

وهنا تبدأ الفكرة الفلسفية الحقيقية

فالعدل لا يصبح عدلًا لأننا نمدحه، بل حين يجد المظلوم من ينصفه. والأمانة لا تُعرف في وقت الراحة، بل حين تتعارض مع المصلحة. وسيادة القانون لا تكتمل إذا خضع لها الضعيف وحده، بينما وجد القوي لنفسه بابًا آخر

قد يمتلك مجتمع تراثًا عظيمًا من القيم، لكنه يعيش بعيدًا عنها. وقد لا يرفع مجتمع آخر هذه القيم كشعارات، لكنه يطبق شيئًا كبيرًا منها في مؤسساته وحياته اليومية. ومن هنا تظهر المفارقة: أحيانًا تكون المسافة بين ما نقوله وما نفعله أكبر من المسافة بيننا وبين الآخرين

فالانتماء إلى المبدأ لا يكفي، كما أن حفظ الحكمة لا يجعل الإنسان حكيمًا

القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول من كلمة إلى سلوك، ومن موعظة إلى نظام، ومن شعار إلى عدل يراه الناس في حياتهم

ولعل السؤال الأهم ليس: من يملك القيم؟

بل: من يعيش بها؟

Previous
Previous

الأردن في زمن التحولات: ماذا ينبغي أن نفعل؟

Next
Next

When What We Own Becomes a Mask for What We’ve Lost