الأردن في زمن التحولات: ماذا ينبغي أن نفعل؟
ليست أخطر الأزمنة تلك التي تشتد فيها العواصف، بل تلك التي يظن فيها الإنسان أن الطريق سيبقى كما كان، فالعالم من حولنا يتبدل بسرعة لا تنتظر المترددين، والجغرافيا السياسية تعيد رسم خطوطها، والاقتصاد يختبر قدرة الدول على الصمود، فيما تقف المجتمعات أمام سؤال لا يجوز تأجيله، هل نملك شجاعة تغيير المسار قبل أن تفرض الظروف علينا مسارًا لم نختره؟
الأردن عرف، طوال عقود، كيف يعبر مناطق الاضطراب بأقل الخسائر الممكنة. لم تكن الطريق سهلة، ولم تكن السماء صافية دائمًا، لكن القدرة على قراءة ما وراء الأفق، وحسن تقدير المخاطر، والاحتفاظ بالتوازن في اللحظات الحرجة، كانت من أسباب بقائه متماسكًا وسط إقليم كثير التقلبات. غير أن الحكمة لا تعني أن نعيش أسرى نجاحات الماضي، فكل مرحلة لها أدواتها، ولكل زمن حساباته
اليوم، نحن بحاجة إلى مراجعة هادئة وشجاعة في آن واحد، فالدولة لا تقوى بكثرة الشعارات، بل بكفاءة مؤسساتها، وعدالة قوانينها، وقدرتها على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. والمنصب العام لا ينبغي أن يكون محطة للوجاهة، بل مسؤولية تقاس بما يُنجز، لا بما يُقال
أما المواطن، فقد تعب من اللغة التي تعده بالغد من دون أن يرى طريقًا واضحًا إليه، يريد فرصة عمل تحفظ كرامته، وتعليمًا يفتح الأبواب أمام أبنائه، وخدمة عامة يشعر معها أن الدولة قريبة منه، لا بعيدة عن تفاصيل حياته
والإصلاح لا يمكن أن يكون طريقًا باتجاه واحد، فكما نطالب الحكومة بالشفافية والمحاسبة، علينا أن نراجع نحن أيضًا علاقتنا بالقانون، وبالعمل، وبالواسطة، وبالمصلحة العامة، لا يمكن أن نبني دولة حديثة بعقلية تبحث عن الاستثناء كلما تعارض القانون مع منفعة شخصية
في اللحظات الدقيقة، لا يكفي أن نراقب المؤشرات، الأهم أن نفهم معناها قبل أن تتحول إلى إنذار متأخر. فالأوطان، مثل الرحلات الطويلة، تحتاج إلى بوصلة واضحة، وقرار في الوقت المناسب، وثقة بين من يحدد الاتجاه ومن يسير معه
الأردن لا يحتاج إلى الخوف من المستقبل، بل إلى الاستعداد له. فالمستقبل لا يأتي فجأة، نحن الذين نقترب منه كل يوم، والسؤال الحقيقي هو. بأي اتجاه نسير؟