النفق المظلم وسبل الخروج منه

خاطرة صباحية

في كل صباحٍ تشرق فيه الشمس على خرائطنا المتعبة،
أدرك أن الظلمة ليست في السماء،
بل في نفقٍ ألفناه حتى نسينا شكل الضوء
نعيش داخله طويلًا،
فنخطئ الظل وطنًا،
والانتظار حياة

خاطرة مسائية

في المساء، حين يطول الصمت وتخفّ الضوضاء،
يتكشّف النفق على حقيقته
لسنا أمةً بلا شمس،
لكننا أمةٌ طال مقامها في العتمة
حتى صارت تألفها
كما يألف السجين جدران زنزانته

تحمل كل دولةٍ من دولنا
أثقال صراعٍ لا ينتهي،
وخيباتٍ تتوارثها الأجيال،
حتى غدت الحدود خطوطَ لهب
لا مسارات حياة
لم يعد النزيف طارئًا،
بل صار نمطًا
نعتاد عليه
ونسمّيه واقعًا

نلوذ بالقضايا الكبرى
كما يلوذ الغريق بخشبةٍ أخيرة
نرفعها راية شرف،
ونختبئ خلفها من الأسئلة المؤلمة
لماذا تأخرنا؟
ولماذا تآكل وعينا؟
غير أن الحقيقة القاسية
أن الجرح الأكبر
ليس خارجيًا فقط،
بل جرحٌ داخلي
حين احتللنا عقولنا بأنفسنا،
وجعلنا من الماضي وطنًا،
ومن الأطلال بيتًا دائمًا

صرنا نقاتل ظلّنا،
نمجد ما كان
ونخشى ما سيكون،
ونعبر الحاضر
كأنه ممرٌّ إجباري
نحو خيبةٍ مؤجَّلة
القهر لم يعد سيفًا مسلطًا من الخارج،
بل صار عادةً نفسية،
يتغذّى على الخوف،
وعلى الولاء الأعمى،
وعلى صمتٍ طال حتى ظنناه حكمة

لم يعد الصراع اختبار حدود فقط،
بل اختبار كرامة
مرآة نرى فيها هشاشتنا
قبل أن نرى خصمنا
لم تُسلب الأرض وحدها،
بل سُلبت الإرادة،
وتآكل الإيمان بالقدرة على الفعل

الخروج من النفق
لا يبدأ بخطابٍ غاضب،
ولا بثورةٍ بلا بوصلة،
بل بثورةٍ هادئة في الداخل
ثورة وعي
تحرّر الإنسان من القهر المعنوي،
وتعيد إليه حق التفكير،
وحرية السؤال،
وشجاعة الاختلاف
فأخطر أنواع الاحتلال
هو ذاك الذي يسكن العقل
ويجعلنا أسرى شعاراتنا

لا تغيير بلا تعليم
يعيد بناء الفكر،
ولا نهضة بلا ثقافة
تحترم العقل
وتصالحه مع نفسه،
ولا وطن بلا منظومة أخلاق
تحوّل الانتماء من هتاف
إلى سلوك ومسؤولية

علينا أن نزرع حب الأرض
لا في القصائد وحدها،
بل في العمل،
وفي الإتقان،
وفي الإيمان بأن الأخلاق
هي حجر الأساس لكل نهضة
فالمجتمع الذي يفقد بوصلته الأخلاقية
يغرق،
ولو امتلك كل الأدوات

وفي هذا المشهد المتعب،
يمكن لوطنٍ صغير في الجغرافيا
كبير في المعنى
أن يقدّم درسًا
أن التماسك قوة،
وأن وحدة الصف
ليست شعارًا
بل ممارسة يومية

فالوطن
ليس حدودًا تُرسَم،
بل ضميرًا حيًّا
والأمم
لا تنهض بالعتاد وحده،
بل بالنية الصادقة،
وبإخلاصٍ يجعل الدعاء للوطن عبادة،
والعمل من أجله
معنى للحياة

اللهم دلّنا على نورٍ
نخرج به من نفقنا الطويل
إلى سعة الفجر،
واحفظ أوطاننا
من الفرقة والنفاق،
ومن ظلمةٍ
تطول أكثر مما ينبغي

  

Osama Shakman

Forty years in the sky were not merely a profession, but a long meditation on the meaning of existence. Borders drawn on maps dissolve, and the world becomes a single, living whole, where everything seems small except the human being.

In that altitude, I learned to observe and to understand before I judge, to see turbulence as part of a greater order not immediately visible to the eye. The sky was my first teacher: its vastness teaches humility, and its silence awakens the art of listening.

Today, I exchange the cockpit for the pen—not to recount a professional biography nor to stand on a political platform, but to open a window for reflection. What I write is not borrowed theory, but thoughts born of lived experience—of long flight hours and quiet moments between takeoff and landing.

This space is simply a free ground for thought, where words are kept from noise and the human story is honored, however simple it may seem. For every life, no matter how fleeting, carries a meaning worth telling and a voice worth hearing.

Welcome to a new journey—one measured not in miles, but in depth of thought and breadth of vision.

٤٠ عاما في السماء، عمر من المراقبة

أربعون عامًا في السماء لم تكن مجرد مهنة، بل تأمّلًا طويلًا في معنى الوجود. تتلاشى الحدود التي رسمناها على الخرائط، ويغدو العالم كتلةً واحدة نابضة بالحياة، حيث يصغر كل شيء إلا الإنسان.

في ذلك العلوّ تعلّمت أن أراقب وأفهم قبل أن أحكم، وأن أرى الاضطراب جزءًا من نظامٍ أكبر لا تدركه العين لأول وهلة. كانت السماء معلمي الأول: اتساعها يعلّم التواضع، وصمتها يوقظ الإصغاء.

واليوم أستبدل قمرة القيادة بالقلم، لا لأروي سيرةً مهنية ولا لأعتلي منبرًا سياسيًا، بل لأفتح نافذةً للتأمل. ما أكتبه ليس نظرياتٍ مستعارة، بل أفكار وُلدت من التجربة، من ساعات الطيران الطويلة ولحظات التأمل بين الإقلاع والهبوط.

هذا الفضاء مساحةٌ حرة للفكر، تُصان فيها الكلمة من الضجيج، ويُحتفى بالقصة الإنسانية مهما بدت بسيطة. فكل حياة، وإن بدت عابرة، تحمل معنى يستحق أن يُروى وصوتًا يستحق أن يُصغى إليه.

مرحبًا بكم في رحلةٍ لا تُقاس بالأميال، بل بعمق الفكرة واتساع الرؤية.

Previous
Previous

مدينة بلا أسوار

Next
Next

مأساة العالم العربي