كفى مجاملات للماضي… آن أوان التغيير
خاطرة صباحية
لسنا مطالبين بالدفاع عن كل ما ورثناه لمجرد أنه “عادة”. فالعادات التي ترهق الناس، وتستنزف طاقتهم، وتزيد أعباءهم، لا قداسة لها. ما طُرح حول تنظيم بيوت العزاء وتخفيف المهور وضبط الجاهات ليس اعتداءً على المجتمع، بل محاولة صادقة لإنقاذه من إرهاق صنعناه بأيدينا
التغيير ليس خيانة للأصالة، بل عودة إلى جوهرها: البساطة، الكرامة، والاحترام دون إسراف أو استعراض. آن الأوان أن نراجع أنفسنا، لأن الوطن يستحق مجتمعًا أخفّ عبئًا وأكثر وعيًا
خاطرة مسائية موسعة
من الأمن الشكلي إلى الأمن الاجتماعي
في الأيام الأخيرة، ثار جدل واسع حول مبادرة وزير الداخلية مازن الفراية المتعلقة بتنظيم بيوت العزاء، وتخفيف المهور، وضبط الجاهات، وكأن الاقتراب من هذه الملفات الاجتماعية الشائكة جريمة لا تُغتفر. وكأن بعض العادات وُضعت خارج أي نقاش، وأُحيطت بهالة من “القداسة” تمنع مراجعتها أو المساس بها
لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها أن هذه المبادرة جاءت في وقتها تمامًا. لا مجاملة فيها لأحد، ولا استهداف لشريحة بعينها، بل مواجهة صريحة مع واقع اجتماعي بات مرهقًا للجميع. كان بإمكان المسؤول أن يختار الطريق الأسهل: الصمت، أو الاحتماء بعبارة “هذه عادات المجتمع”، لكنه اختار المواجهة، والمواجهة في القضايا الاجتماعية الحساسة شجاعة بحد ذاتها
عندما ننفق في الأعراس وبيوت العزاء أكثر مما نملك، ثم نشتكي من الغلاء والضيق، فنحن نعيش تناقضًا قاسيًا. وعندما تتحول المناسبات الاجتماعية إلى ساحات استعراض وتفاخر، نفقد معناها الإنساني، ونزرع شعورًا صامتًا بالظلم والعجز بين الناس
فهل أصبح التفكير بعقلانية جريمة؟
ومن قال إن كل ما ورثناه صالح لكل زمان ومكان؟
أجدادنا لم يعرفوا هذا التكلف، ولا هذا الإسراف. كانوا أبسط، وأصدق، وأقرب للمنطق. العادات التي تخدم المجتمع وتجمعه تستحق البقاء، أما تلك التي ترهقه وتعمّق الفوارق بين أفراده، فالتغيير مصيرها الطبيعي، لا الهجوم ولا الدفاع الأعمى عنها
الأمن لا يبدأ من الدوريات فقط، بل من المجتمع ذاته. من تخفيف الاحتقان، ومن محاربة المظاهر التي تُشعر الناس بالعجز. وما طُرح ليس فرضًا لأسلوب حياة، بل دعوة لثقافة جديدة تعيد الاعتبار للإنسان، لا للمظاهر، وللمعنى، لا للتكلف
أما من يطالب بأن يبدأ التغيير من “القمّة”، فليعلم أن الرسالة موجهة للجميع، وأن القدوة حين تصدر من أصحاب النفوذ، تنتقل تلقائيًا إلى الناس. فالسلوك أبلغ من أي قرار
هذه المبادرة ليست نهاية الطريق، بل بدايته. بداية وعي اجتماعي يحترم المناسبات دون إسراف، ويحفظ الكرامة دون استعراض
كفى دفاعًا عن عادات أرهقتنا باسم الأصالة،
فالأصالة ليست في الولائم، بل في القيم