الحكاية الأردنية في عيد الاستقلال الثمانين

في الخامس والعشرين من أيار، لا أرى الأردن وهو يحتفل بعيد استقلاله كما يراه العابرون من بعيد. أراه كما كنت أراه من نافذة الطائرة، حين كانت عمّان تلوح تحت الغيم مثل فكرةٍ صغيرة قاومت الريح، ثم كبرت حتى صارت وطنًا. من الأعلى، لا تبدو الحدود خطوطًا على الخرائط، بل تبدو امتحانًا طويلًا لمعنى البقاء. ومن عاش أكثر من أربعين عامًا بين المطارات والسماء والعودة، يعرف أن الأوطان لا تُقاس بمساحتها، بل بقدرتها على أن تمنح أبناءها سببًا للرجوع إليها

استقلال الأردن لم يكن لحظة احتفال وانتهت، ولم يكن علمًا رُفع ذات صباح ثم دخل التاريخ. كان بداية رحلة شاقة، تشبه إقلاع طائرة في جوّ مضطرب؛ تحتاج إلى قائد يعرف اتجاهه، وإلى طاقم يثق ببعضه، وإلى ركاب يؤمنون أن الوصول ممكن رغم اهتزاز الطريق. منذ عام 1946، خرج الأردن من زمن الإمارة إلى زمن الدولة، لكن الدولة هنا لم تُبنَ على وفرة الموارد ولا على رفاه الجغرافيا، بل على صبر الناس، ووعي القيادة، وقدرة المؤسسات على التماسك وسط عواصف لم تهدأ

كنتُ كلما حلّقت فوق الصحراء الأردنية شعرت أن هذه الأرض لا تمنحك شيئًا بسهولة. الصحراء لا تجامل أحدًا. لكنها تعلّمك الصلابة، وتكشف لك أن الحياة لا تحتاج دائمًا إلى الوفرة كي تستمر، بل تحتاج إلى إرادة تعرف كيف تدير القليل بحكمة. وهذا بالضبط ما فعله الأردن عبر ثمانين عامًا تقريبًا من الاستقلال: لم يكن بلدًا غنيًا بالثروات، لكنه كان غنيًا بمعنى الدولة. دولة صغيرة في المساحة، محدودة الموارد، لكنها محاطة بأزمات كبرى، ومع ذلك بقيت واقفة حيث تعثّر غيرها

الاستقلال، في جوهره، ليس أن تُعلن الدولة سيادتها فقط، بل أن تثبت كل يوم أنها قادرة على حماية هذه السيادة من التآكل. فهناك دول تملك النفط والأنهار والبحار، لكنها تفقد نفسها عند أول عاصفة، وهناك دول لا تملك إلا عقلها السياسي وصلابة مجتمعها، فتنجو. الأردن من هذا النوع الثاني. لقد واجه حروبًا، واستقبل موجات لجوء، وتحمل أعباءً اقتصادية واجتماعية تفوق حجمه، ومع ذلك لم يفقد بوصلته. وهذه، في نظري، ليست مصادفة سياسية، بل نتيجة ثقافة دولة تعلّمت مبكرًا أن الاعتدال ليس ضعفًا، وأن التوازن ليس ترددًا، وأن الصبر ليس عجزًا

عندما نتحدث عن المدارس والمستشفيات والطرق والمؤسسات، لا ينبغي أن ننظر إليها كأرقام في تقارير رسمية فقط. المدرسة في قرية بعيدة ليست مبنى؛ إنها إعلان بأن الطفل في الأطراف يستحق فرصة. والمستشفى في محافظة نائية ليس خدمة؛ إنه وعد بأن حياة الإنسان ليست أقل قيمة لأنه بعيد عن العاصمة. والطريق الذي يربط الشمال بالجنوب ليس إسفلتًا؛ إنه خيط من الثقة بين المواطن والدولة. هكذا تُبنى الأوطان: لا بالخطب وحدها، بل بالتراكم الهادئ الذي لا يصفق له أحد كثيرًا، لكنه يحمي المجتمع من السقوط

ومع ذلك، فإن حب الوطن لا يعني أن نغلق أعيننا عن أوجاعه. الطيار يعرف أن قراءة لوحة العدادات بصدق أهم من الطمأنينة الكاذبة. الأردن اليوم يواجه تحديات قاسية: مديونية ثقيلة، بطالة تؤلم الشباب، فجوات تنموية بين العاصمة والمحافظات، وضغطًا متزايدًا على الخدمات والبنية التحتية. وهذه ليست تفاصيل جانبية، بل أسئلة كبرى عن مستقبل الدولة. فالاستقرار العظيم الذي حافظ عليه الأردن يجب أن يتحول إلى تنمية عادلة يشعر بها المواطن في عمله، ودخله، وطريقه، ومدرسته، ومستشفاه، ومستقبل أبنائه

جيل الشباب الأردني اليوم لا يريد قصائد فقط، بل يريد أفقًا. يريد أن يشعر أن تعبه في الجامعة سيقوده إلى فرصة، وأن كفاءته ستفتح له بابًا، وأن الدولة التي حمت الاستقرار قادرة أيضًا على حماية الحلم. وهذا هو الامتحان الحقيقي في العقد القادم: أن لا يبقى الاستقلال ذكرى جميلة في الوجدان، بل يتحول إلى مشروع اقتصادي واجتماعي جديد، أكثر عدالة وجرأة وكفاءة. فالأوطان التي لا تجدد معناها مع أجيالها، تخاطر بأن يتحول تاريخها إلى صورة معلقة على الجدار

لقد تعاقبت على الأردن حكومات كثيرة، وتبدلت السياسات والبرامج، ومرّت الدولة بمراحل صعبة، لكنها بقيت محافظة على جوهرها. وهذا بحد ذاته درس نادر في منطقة اعتادت الانكسارات الكبرى. فبقاء المؤسسة، واستمرار الجيش، وصمود التعليم، وحضور الإدارة العامة، وتماسك المجتمع، كلها ليست أمورًا عادية. إنها أعمدة بيتٍ أردني بُني ببطء، وربما بتعب، وربما بأخطاء أيضًا، لكنه ظل بيتًا قابلًا للترميم لا للسقوط

من نافذة الطائرة، كنت أرى الأردن صغيرًا على الخريطة، لكنه لم يكن يومًا صغيرًا في المعنى. كنت أرى المدن والبوادي والجبال والوديان كأنها فصول من كتاب واحد، كتاب كتبه الناس بالصبر أكثر مما كتبته الحكومات بالبيانات. وفي كل هبوط نحو عمّان، كنت أشعر أن العودة إلى الوطن ليست نهاية رحلة، بل بداية سؤال: ماذا فعلنا كي يستحق هذا الوطن أن يبقى أقوى وأعدل وأجمل؟

في عيد الاستقلال الثمانين، لا أريد أن أكتب عن الأردن كأنه حكاية كاملة بلا نقص. الأردن ليس أسطورة خالية من العيوب، بل تجربة إنسانية وسياسية صعبة، فيها إنجازات تستحق الفخر، وأخطاء تستحق المراجعة، وتحديات لا يجوز تأجيلها. لكنه، رغم كل شيء، يبقى وطنًا عرف كيف يعيش وسط العواصف دون أن يفقد اسمه أو وجهه أو روحه

وربما تكون أعظم معاني الاستقلال الأردني أنه لم يكن وعدًا بالكمال، بل تدريبًا طويلًا على البقاء بكرامة. أن تبقى الدولة واقفة، وأن يبقى الناس متعلقين بها، وأن يبقى العلم مرفوعًا لا كقطعة قماش، بل كذاكرة وواجب ومسؤولية. هذا هو الأردن كما أفهمه بعد عمرٍ في السماء: وطن لا يدّعي أنه وصل، لكنه يعرف كيف يواصل الرحلة

Previous
Previous

The Jordanian Story on the 80th Independence Day

Next
Next

The Father I Understood Only After Becoming a Father