حسام عباس… رجل لا أعرفه، لكنني رأيت فيه ما يستحق أن يُكتب عنه
في زمنٍ اختلطت فيه الشهرة بالضجيج، وأصبح كثيرون يبحثون عن الظهور أكثر من بحثهم عن الأثر، لفت انتباهي اسم لم أكن أعرفه من قبل، ولم يصلني عبر نشرات الأخبار أو المنابر الرسمية، بل عبر مشاهد بسيطة وصادقة لرجل يعمل بصمت في خدمة الناس. اسمه حسام عباس
لا أعرفه
لم أصافحه يومًا
لم أجلس معه
لكنني شاهدت له فيديوهات كثيرة وهو يعمل في خدمة المجتمع، فرأيت شيئًا نادرًا في هذا الزمن: رجلًا لا يكتفي بالكلام عن الانتماء، بل يحوّل الانتماء إلى فعل، وإلى تعب، وإلى عرق، وإلى أثر يبقى على الأرض
هناك أشخاص يمرّون في الحياة مثل خبرٍ عابر، وهناك أشخاص يمرّون مثل سؤال كبير. وحسام، بالنسبة لي، لم يكن مجرد شخص يظهر في مقطع وهو يصلح شارعًا أو يحسّن مكانًا أو يشارك في خدمة عامة؛ بل بدا كأنه يطرح علينا سؤالًا موجعًا: ماذا قدمنا نحن للمكان الذي نعيش فيه؟
في كل فيديو شاهدته له، لم أرَ مجرد رجل يعمل بيديه، بل رأيت معنى. رأيت أن خدمة المجتمع ليست منصبًا، ولا إعلانًا، ولا خطابًا مكتوبًا بعناية، بل موقف أخلاقي. رأيت أن الإنسان يستطيع أن يكون مؤسسة وحده، وأن يحمل في قلبه مشروعًا أكبر من اسمه، وأوسع من صورته
حسام عباس يذكّرنا بأن الوطن لا ينتظر دائمًا القرارات الكبرى كي يصبح أفضل. أحيانًا يحتاج الوطن إلى إنسان واحد لا يرضى أن يمرّ بجانب خللٍ وكأنه لا يراه. يحتاج إلى شخص يرى حفرة في الشارع فيفكر في إصلاحها، يرى إهمالًا في مكان عام فيقرر أن يمد يده، يرى تقصيرًا فيسأل نفسه: ماذا أستطيع أن أفعل؟
وهنا تكمن الفلسفة العميقة في تجربته. فالإنسان لا يُقاس بما يقول عن نفسه، بل بما تتركه يداه خلفه
ولا يُقاس حب الوطن بالأغاني والشعارات وحدها، بل بتلك اللحظة الصادقة التي يقرر فيها الإنسان أن ينزل إلى الميدان، أن يتعب، أن يخدم، أن يفعل شيئًا ولو كان بسيطًا
قد يقول البعض: وما قيمة هذه الأعمال الصغيرة؟ والجواب أن المجتمعات لا تنهار فجأة، ولا تنهض فجأة. هي تتكوّن من التفاصيل. من شارع أنظف، من رصيف أصلح، من يد تساعد، من شاب يبادر، من إنسان يرفض أن يكون متفرجًا. وحين تتراكم هذه الأفعال الصغيرة، تتحول إلى ثقافة، ثم إلى وعي، ثم إلى نهضة
إن أكثر ما شدّني في حسام عباس أنه لا يظهر كمن يبحث عن تصفيق أو ثناء، بل كمن يؤدي واجبًا نابعًا من داخله. وهذا النوع من الناس هو الأكثر جمالًا وتأثيرًا في المجتمع؛ لأنه لا ينتظر إذنًا من أحد كي يكون نافعًا، ولا يحتاج إلى منصة كي يثبت حضوره. فوجوده الحقيقي لا يُقاس بما يقال عنه، بل بالأثر الذي يتركه خلفه
وأقولها بصدق: كم أتمنى أن أتعرف عليه شخصيًا، لا بدافع الفضول، بل لأصافحه، وأشكره، وأقول له: استمر. فهناك من يراك، وهناك من يتأثر بك، وهناك من يجد في فعلك رسالة لا تحتاج إلى شرح
رسالتي هنا ليست إلى حسام وحده، بل إلى شباب الوطن كلهم: لا تنتظروا أن تصبحوا أصحاب مناصب حتى تخدموا بلدكم. لا تنتظروا أن تمتلكوا المال الكثير حتى تتركوا أثرًا. لا تنتظروا أن يطلب منكم أحد أن تكونوا نافعين. الوطن يبدأ من أمام بيتك، من شارعك، من مدرستك، من حيك، من المكان الذي تمر به كل يوم
الشباب لا يصنعون المستقبل بالكلام فقط، بل بالفعل. والبطولة ليست دائمًا في ساحات كبرى؛ أحيانًا تكون البطولة في إصلاح بسيط، في مبادرة صادقة، في خدمة لا يراها إلا الله والناس الطيبون. والأوطان تحتاج إلى هذا النوع من البطولة الهادئة، بطولة الإنسان الذي يعمل دون ضجيج، لكنه يترك خلفه أثرًا أعلى من كل ضجيج
حسام ليس مجرد اسم في فيديو. هو نموذج. وربما الأهم من شخصه هو الفكرة التي يمثلها: أن الإنسان حين يؤمن بدوره، يستطيع أن يصبح مشروعًا لخدمة المجتمع. يستطيع أن يكون شرارة توقظ الآخرين، وأن يثبت أن الخير لا يزال قادرًا على الحركة بين الناس
نحن بحاجة إلى المزيد من هذه النماذج في كل مدينة وقرية وشارع. بحاجة إلى شباب يحملون روح المبادرة بدل روح الشكوى. شباب لا يسألون دائمًا: ماذا قدم الوطن لنا؟ بل يسألون أيضًا: ماذا قدمنا نحن للوطن؟
تحية تقدير واحترام إلى حسام، الإنسان الذي لا أعرفه، لكنني رأيت في أفعاله ما يجعلني أكتب عنه. تحية له لأنه يذكرنا بأن الانتماء ليس كلمة، بل عمل. وأن خدمة الناس ليست ضعفًا، بل رفعة. وأن أجمل ما يتركه الإنسان في هذه الحياة ليس صورته، بل أثره
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في النهاية: بعض الناس لا نعرفهم شخصيًا، لكن أفعالهم تجعلنا نشعر أنهم قريبون منا. وحسام عباس واحد من هؤلاء