طيران الخليج… حين أصبحت البحرين فصلًا من الرحلة

تبدأ بعض التحولات الكبرى في حياة الإنسان بصمت، من دون أن تعلن عن نفسها أو تكشف منذ اللحظة الأولى مقدار ما ستتركه في داخله. وحين بدأت عملي في البحرين مع طيران الخليج، ظننت أنني أنتقل إلى مرحلة مهنية جديدة، لكنني أدركت لاحقًا أنني كنت أدخل تجربةً أعادت تشكيل علاقتي بالطيران، وبالناس، وبنفسي

لم يكن الانتقال مجرد تغيير في مكان الإقامة أو اسم الشركة، بل خروجًا من المألوف إلى فضاء جديد يتطلب أن أتعلم مرة أخرى كيف أجد موقعي، وأثبت كفاءتي، وأبني الثقة مع أشخاص جاؤوا من ثقافات وتجارب مختلفة. ففي الطيران لا تكفي المعرفة التقنية وحدها؛ إذ يحتاج الإنسان إلى مرونةٍ في التعامل، وقدرةٍ على الإصغاء، وتواضعٍ يسمح له بأن يتعلم مهما بلغت خبرته

كان العمل في طيران الخليج مدرسةً في المسؤولية المشتركة. فالطائرة لا ترتفع بقرار فرد واحد، ولا تصل بسلام بفضل من يجلس في قمرة القيادة وحده. خلف كل رحلة طاقم متكامل، ومهندسون، ومراقبون، وموظفون يعملون في صمت، يضع كل واحد منهم جزءًا من جهده في سلامة أشخاص قد لا يعرف أسماءهم. وهناك فهمت بصورة أعمق أن النجاح في الطيران ليس بطولةً فردية، بل ثمرة ثقة موزعة بين الجميع

كانت العلاقة بين أفراد الطاقم تتجاوز حدود الجداول والتعليمات. ففي أثناء الرحلة، تختفي الفوارق التي قد تفصل الناس على الأرض، ويصبح الجميع جزءًا من مسؤولية واحدة. يعرف كل فرد أن الخطأ الصغير قد يمتد أثره إلى الآخرين، وأن جودة عمله ليست شأنًا شخصيًا، بل أمانة. ومن هذا الوعي تنشأ زمالة لا تصنعها المجاملات، وإنما تصنعها المواقف التي يعتمد فيها كل إنسان على يقظة زميله وانضباطه

ومع كل رحلة، كان العالم يتسع أمامي بطريقة مختلفة. لم تعد المدن أسماءً في جدول التشغيل، ولا المطارات محطات للوصول والمغادرة فقط. صار لكل مكان إيقاعه وملامحه وأسئلته. كنت أرى كيف تختلف الشعوب في لغاتها وعاداتها، ثم أكتشف أنها تتشابه في خوفها وفرحها وانتظارها لمن تحب. وهكذا لم يعد الطيران اختصارًا للمسافات وحدها، بل أصبح وسيلةً لتوسيع فهمي للإنسان

أما البحرين، فقد منحت تلك التجربة المهنية روحها الإنسانية. كانت جزيرة صغيرة في مساحتها، لكنها واسعة بما منحته لي من ألفة وهدوء. وفي البسيتين وجدت، بعد الرحلات الطويلة وضجيج المحركات، حياةً أكثر بساطةً وقربًا من النفس. كانت الشوارع والوجوه والمجالس تصنع إحساسًا بأن الإنسان يستطيع أن يجد بيتًا خارج بيته الأول، إذا عامله المكان باحترام واحتضنه أهله بالمودة

لم تكن الراحة التي شعرت بها في البحرين نتيجة هدوئها وحده، بل نتيجة ذلك الدفء الذي يجعل الغريب أقل شعورًا بغربته. فالأوطان الثانية لا تُبنى بالحجارة، وإنما بالتفاصيل الصغيرة: تحية جار، وسؤال صادق، وصداقة تنمو من دون تكلف، ومكان تعود إليه في نهاية الرحلة فتشعر أن الوصول إليه ليس مجرد نهاية لواجب مهني

هناك تعلّمت أن الانتماء لا يعني أن ننسى المكان الذي جئنا منه، بل أن نسمح لمكان آخر بأن يضيف إلى تجربتنا من دون أن ينتزع جذورنا. فالإنسان الذي يسافر طويلًا لا يعود حاملًا صور المدن وحدها، بل يعود وفي داخله شيء من طباع أهلها، ومن حكمتهم، ومن الطريقة التي جعلوه بها يرى العالم

صقلت طيران الخليج خبرتي المهنية، لكنها منحتني كذلك درسًا في معنى التوازن. فالطيران يحتاج إلى صرامة في الإجراءات، لكنه يحتاج أيضًا إلى مرونة في التعامل مع المتغيرات. ويحتاج إلى ثقة بالنفس، لكن الثقة التي لا يصاحبها التواضع قد تتحول إلى خطر. ويحتاج إلى سرعة القرار، لكن القرار السليم لا يولد من الاندفاع، بل من سنوات من التدريب والهدوء والانضباط

وعندما أستعيد تلك المرحلة اليوم، لا أراها سطرًا في السيرة المهنية، ولا عددًا من الرحلات أو الساعات المسجلة في دفتر الطيران. أراها زمنًا أسهم في تكويني، وعرّفني إلى زملاء تركوا أثرًا، وإلى مدينة منحتني شعورًا بالأمان، وإلى نسخة من نفسي لم أكن لأعرفها لو بقيت في مكاني الأول

لقد غادرت البحرين في نهاية تلك المرحلة، لكن بعض المغادرات لا تنهي العلاقة بالمكان. فقد بقيت البسيتين في الذاكرة، وبقيت وجوه الزملاء، وبقي ذلك الشعور الذي كان يرافق العودة بعد كل رحلة. فالمكان الذي يمنح الإنسان جزءًا من نضجه لا يغادره تمامًا، حتى وإن غادره الجسد

واليوم أدرك أن المهنة لا تمنحنا الخبرة فقط، بل تمنحنا الأمكنة التي صنعت تلك الخبرة، والناس الذين شاركونا تفاصيلها، واللحظات التي لم نعرف قيمتها إلا بعد أن أصبحت ذكرى

كانت طيران الخليج محطةً مهنية، لكنها كانت أيضًا مدرسةً للثقة والانضباط والزمالة. وكانت البحرين مكانًا للعمل، لكنها تحولت بمرور الأيام إلى بيت آخر في الذاكرة

فبعض الرحلات تنتهي عند المدرج، أما الرحلات التي تغيّر الإنسان، فإنها تواصل الطيران في داخله مهما ابتعد الزمن

Previous
Previous

الخطوط السعودية… حين أصبح الحلم بحجم بوينغ ٧٤٧

Next
Next

Gulf Air: When Bahrain Became Part of the Journey