الخطوط السعودية… حين أصبح الحلم بحجم بوينغ ٧٤٧
تأتي بعض الأخبار في حياة الإنسان عابرةً في كلماتها، لكنها تغيّر مسار العمر كله. وحين أُبلغت بأنني واحد من ثمانية طيارين اختيروا للسفر إلى جدة، للتدريب والعمل مع الخطوط الجوية العربية السعودية على طائرة بوينغ ٧٤٧، أدركت أن بابًا جديدًا قد فُتح أمامي، وأن الحلم الذي ظل طويلًا بعيدًا في السماء أصبح فجأةً قريبًا بما يكفي لأمدّ يدي نحوه
لم تكن بوينغ ٧٤٧ طائرةً عادية في وجدان الطيارين. كانت، في ذلك الزمن، رمزًا لعصر جديد من الطيران؛ طائرة عملاقة تحمل مئات المسافرين وتعبر القارات والمحيطات، وتضع من يعمل في قمرة قيادتها أمام مستوى مختلف من المعرفة والانضباط والمسؤولية. لم يكن التحدي أن أتعلّم أنظمتها وإجراءاتها فحسب، بل أن أكون جديرًا بالثقة التي منحتني هذه الفرصة
غادرنا إلى جدة ونحن نحمل مزيجًا من الفخر والقلق. فكل خطوة كبيرة في الحياة يصاحبها خوف خفي من ألّا نكون على قدرها. غير أنني تعلمت مبكرًا أن الخوف المهني ليس ضعفًا، بل علامة على إدراك حجم الأمانة. فالطيار الذي لا يشعر بثقل المسؤولية قد يصبح أكثر خطورة من الطيار الذي يخاف، ثم يضع خوفه تحت سلطان العلم والانضباط
في جدة دخلنا عالمًا مهنيًا واسعًا، يقوم على تنظيم دقيق وخبرة متراكمة وثقافة تشغيلية تعرف أن سلامة الرحلة تبدأ قبل أن تتحرك الطائرة من موقفها. وجدت مدربين وزملاء لم يتعاملوا معنا بوصفنا ضيوفًا عابرين، بل شركاء في مسؤولية واحدة. منحونا المعرفة بثقة، وفتحوا لنا أبواب خبرتهم، وأحاطونا باحترام جعل التعلم أكثر عمقًا والاندماج أكثر سهولة
هناك أدركت أن الاحتراف لا يظهر في الأجهزة المتقدمة وحدها، بل في طريقة تعامل الإنسان مع الإنسان. فالمؤسسة العظيمة لا تُقاس بحجم أسطولها فقط، وإنما بقدرتها على بناء الثقة بين أفرادها، وبالروح التي تجعل كل موظف يشعر أن نجاح الرحلة جزء من مسؤوليته الشخصية
ومع اكتمال التدريب، بدأت الرحلات الطويلة التي حملتني إلى مدن كنت أراها من قبل أسماءً بعيدة على الخرائط. حلّقت إلى واشنطن ونيويورك، وعبرت نحو باريس ولندن وفرانكفورت وروما، ثم امتدت الرحلات إلى مدن آسيا والشرق الأقصى وجنوب شرقي القارة. كانت كل وجهة تفتح نافذةً جديدة على العالم، وكل مطار يضيف إلى تجربتي سؤالًا لم أكن أعرف أنني أحمله
لم تعد الرحلة مجرد إقلاع وهبوط. أصبحت عبورًا بين ثقافات وطرائق مختلفة في النظر إلى الحياة. رأيت مدنًا تتحرك بسرعة كأنها تخشى أن يسبقها الزمن، ومدنًا أخرى تعيش بهدوء كأنها تصالحت معه. رأيت الإنسان يختلف في لغته ولباسه وعاداته، ثم يتشابه في لحظة الوداع، وفي انتظاره لمن يحب، وفي خوفه حين تضطرب الطائرة، وفي ارتياحه حين تلامس العجلات الأرض
ومع اتساع العالم من حولي، كانت جدة تزداد قربًا في داخلي. فقد منحتني المدينة شعورًا لا تصنعه أماكن العمل وحدها. في شوارعها ومجالسها وبيوت أهلها وجدت دفئًا عربيًا مألوفًا، وكرمًا لا يحتاج إلى مناسبة كي يظهر. لم أشعر أنني في مدينة غريبة، بل في بيت ثانٍ ابتعدت به الجغرافيا واقتربت به القلوب
كانت العلاقة بزملائنا السعوديين من أجمل ما حملته تلك المرحلة. لم تجمعنا الرحلات وحدها، بل الأيام الطويلة، والتدريب، والانتظار، والمواقف التي تكشف معدن الإنسان بعيدًا عن الرسميات. ومع مرور الوقت، لم نعد مجرد زملاء في العمل؛ أصبحنا أصدقاء تجمعنا الثقة، ويعرف كل منا أن الآخر يقف إلى جانبه حين تصبح السماء أكثر صعوبة
كنت أشعر بالفخر كلما جلست في قمرة قيادة بوينغ ٧٤٧. لم يكن ذلك الفخر متعلقًا بحجم الطائرة وحده، بل بما مثّلته التجربة من اتساع في الحلم. فالإنسان قد يبدأ حياته المهنية بطموح صغير، ثم يكتشف أن الاجتهاد يفتح أمامه أبوابًا لم يكن يجرؤ على تخيلها. وكلما ارتفعت الطائرة، كنت أشعر أنني لا أحلّق بها فقط، بل أرتفع معها فوق حدود قديمة وضعتها في ذهني عن الممكن والمستحيل
لكن الحياة لا تسير دائمًا وفق جداول الرحلات. ففي ٢ آب ١٩٩٠ وقع الغزو العراقي للكويت، وتغيّر وجه المنطقة في ساعات. لم تعد الأخبار أحداثًا بعيدة نتابعها في نشرات المساء، بل أصبحت واقعًا دخل حياتنا المهنية وفرض عليها مسارًا لم نختره. طُلب منا مغادرة المملكة والعودة إلى الوطن، فانتهى الفصل أسرع مما توقعنا
كان الوداع صعبًا؛ لأننا لم نترك وراءنا وظيفةً فحسب، بل تركنا أصدقاء وذكريات وحياةً بدأت تكتسب ملامح الاستقرار. رأيت في وجوه زملائنا السعوديين حزنًا صادقًا، وشعرت أن العلاقات التي بنتها الثقة لا تنتهي بقرار إداري أو ظرف سياسي. فالرحلات قد تتوقف، لكن ما صنعته بين الناس لا يخضع دائمًا لتوقيت الإقلاع والمغادرة
عدت إلى الوطن وأنا أحمل شعورين متناقضين: حزنًا على تجربة انتهت قبل أوانها، وامتنانًا لأنها حدثت أصلًا. فقد كان من السهل أن أنظر إلى النهاية بوصفها خسارة، لكن السنوات علمتني أن قيمة التجربة لا تُقاس بطولها وحده، بل بما أحدثته في الإنسان
علّمتني الخطوط السعودية أن الفرص الكبيرة لا تمنحنا المجد فقط، بل تطالبنا بأن نكبر من الداخل كي نستحقها. وعلّمتني بوينغ ٧٤٧ أن حجم المسؤولية يرتفع كلما اتسع الحلم، وأن من يحمل أرواح الناس لا يملك رفاهية الغرور أو التهاون. أما جدة، فعلّمتني أن المكان قد يصبح قريبًا من القلب قبل أن يطول فيه المقام
انتهت تلك المرحلة، لكن أثرها لم ينتهِ. بقيت الخبرة، وبقيت الصداقات، وبقيت المدن التي رأيتها من نافذة القمرة، وبقي ذلك الشعور الأول حين قيل لي إنني سأطير على الطائرة التي طالما بدت أكبر من الحلم
فبعض الرحلات لا يمنحنا الزمن فرصة إكمالها كما أردنا، لكنها تضعنا على الطريق الذي نحتاج إليه. وبعض النهايات لا تطفئ الطموح، بل تحرره من التعلق بمسار واحد
لقد غادرت جدة، لكنني لم أغادر التجربة. فقد بقي شيء منها في كل قرار اتخذته بعد ذلك، وفي كل مسؤولية حملتها، وفي كل مرة نظرت فيها إلى السماء وتذكرت أن الحلم، مهما بدا بعيدًا، قد يصبح يومًا طائرةً عملاقة تنتظر منك أن تتقدم بثقة، وتجلس في قمرة قيادتها